“جواسيس صينيّة على عجلات” يهدّدون أمن أوروبا

الكاتب: ايمان شمص | المصدر: اساس ميديا
6 أيلول 2026

قد تكون سيارتك ذكيّة… لكنّها أيضاً ثرثارة. تعرف أين تذهب، وأين تعمل، ومتى تعود إلى المنزل، وربّما من تتّصل به وما يحيط بك. لكنّ هذه المعلومات قد لا تبقى داخلها. إلى من تنقل سيّارتك بياناتك؟ من يركب معك  رقميّاً؟

بحسب تقرير لمجلّة “دير شبيغل” الألمانيّة، يُقلق هذا السؤال أجهزة الأمن في أوروبا. فقد تحوّلت السيّارات الحديثة، بما فيها من كاميرات وميكروفونات وأجهزة استشعار ورقائق إلكترونيّة وإنترنت، إلى ما يسمّيه خبراء الأمن “جواسيس على عجلات” لقدرتها على جمع ملايين البيانات عن السائق وموقعه ومحيطه.

من يتحكّم بالبيانات؟

يركّز تقرير “دير شبيغل” على الحافلات الكهربائيّة التي تصنعها شركة “يوتونغ” الصينيّة، والتي انتشرت في أوروبا وضاعفت مبيعاتها عام 2024، لتحتلّ المركز الأوّل في تسجيل الحافلات الكهربائيّة.

اكتشفت شركة النقل العامّ النرويجيّة “روتر” في العام الماضي ثغرة أمنيّة في إحدى حافلاتها، وحذّرت من إمكانيّة وصول المصنع الصينيّ إليها عن بُعد، بما يسمح بتحديث البرمجيّات، والتأثير في أنظمة البطّاريّة والطاقة، وربّما “إيقاف هذه الحافلة أو إخراجها من الخدمة”.

نفت “يوتونغ” قدرتها على التأثير في أنظمة القيادة، فيما اتّخذت الشركة النرويجيّة والسلطات في الدنمارك وبريطانيا إجراءات للحدّ من المخاطر. ويعتبر التقرير أنّ خطر التحكّم بالمركبات عن بُعد ليس افتراضيّاً بالكامل، إذ أثبت قراصنة إلكترونيّون عام 2015 قدرتهم على تشغيل مكابح سيّارة “جيب” عن بُعد والتلاعب بتوجيهها.

يركّز تقرير “دير شبيغل” على الحافلات الكهربائيّة التي تصنعها شركة “يوتونغ” الصينيّة، والتي انتشرت في أوروبا وضاعفت مبيعاتها عام 2024، لتحتلّ المركز الأوّل في تسجيل الحافلات الكهربائيّة.

سيّارات ترصد كلّ شيء…

تزداد المخاطر مع الجيل الجديد من هذه السيّارات الذي يمسح محيطه بصورة شبه دائمة، ويقيس المسافات، ويتعرّف إلى إشارات المرور، ويساعد في الركن وتغيير المسارات. ويحذّر الخبراء من استخدامها لرسم خرائط للمناطق العسكريّة والبنى التحتيّة الحيويّة، وجمع صور وبيانات مواقع وحركة المرور ومسارات الوصول. كما قد يؤدّي ربط الهاتف بالسيّارة إلى مشاركة الموقع والرسائل ومواعيد التقويم، وصولاً إلى بيانات بيومتريّة أو مصرفيّة.

يستشهد التقرير بحالتين:

1 ـ في عام 2023، أشارت تحقيقات خبير الأمن السيبرانيّ النرويجيّ تور إندستوي إلى أنّ قسماً كبيراً من المعلومات المستقاة من السيّارات الصينيّة يتدفّق إلى الصين. وبعد تحليله سيّارةES8  من NIO، وجد أنّ نحو 90% من البيانات انتهت على خوادم في الصين. لكنّ “نيو” نفت ذلك، مؤكّدة أنّ البيانات تُخزّن في خوادم سحابيّة أوروبيّة.

2 ـ أظهر تسريب بيانات من شركة CARIAD التابعة لـ”فولكس فاغن” حجم الخطر. فقد أصبحت عدّة تيرابايتات (وحدة قياس سعة تخزين البيانات الرقميّة) من البيانات المتعلّقة بنحو 800 ألف سيّارة كهربائيّة متّصلة بالإنترنت متاحة عبر سحابة أمازون بحماية محدودة، وكان بالإمكان تحديد مالكي السيّارات ومنازلهم وأعمالهم ووجهات عطلاتهم. وكان بين المتضرّرين سياسيّون وضبّاط استخبارات مشتبه بهم.

يحذّر ثوربيورن شولتز، من المكتب الاتّحاديّ الألمانيّ لأمن المعلومات، من أنّ “التجسّس يمثّل الخطر الرئيسيّ”، وأنّ المخاوف من استخدام الصين للسيّارات لهذا الغرض لها أساس. إذ يمكن للنظام إجبار الشركات الصينيّة على دعم أنشطته الاستخباراتيّة وتسليم بياناتها المخزّنة في الخارج.

يشير إلى أنّ الوضع في الولايات المتّحدة ليس أفضل حالاً، إذ يتيح قانون CLOUD للسلطات إجبار شركات مثل “تسلا” على كشف بيانات عملائها.

طائرات مسيّرة على عجلات

بحسب الباحثة باولينا أوزنانسكا من مركز الدراسات الشرقيّة في وارسو، تتعامل الصين مع السيّارات المتّصلة بالإنترنت باعتبارها “تقنيّة أمنيّة”، وتشبّهها بـ”طائرات مسيّرة على عجلات”، معتبرة أنّه ينبغي التعامل معها كالمسيّرات. وتشير إلى العلاقة الوثيقة بين بكّين وموسكو، وترى أنّ البيانات التي تُجمع على الطرق الأوروبيّة قد تصل إلى روسيا.

تشعر السلطات الأمنيّة الألمانيّة بالقلق أيضاً. فبحسب “دير شبيغل”، تحذّر هذه السلطات من استخدام هذه السيّارات في المناطق الحسّاسة أمنيّاً، بل وحتّى من ركنها أمام المنشآت الحسّاسة. ويشير التقرير إلى وثائق سرّيّة تؤكّد إمكانيّة وصول السلطات الصينيّة إلى بيانات المركبات.

تنقل المجلّة عن وزارة الداخليّة الألمانيّة أنّها ترى الآن وجود “مخاطر نظريّة لإساءة الاستخدام”، وأنّه لا يمكن تقنيّاً استبعاد مخاطر مثل نفوذ الدولة على الشركة المصنّعة. ولذلك تعمل الحكومة على تحليل وطنيّ للمخاطر.

بدأت دول أخرى باتّخاذ إجراءات مماثلة. ففي بولندا، مُنعت المركبات القادمة من الصين من دخول المناطق العسكريّة، كما حُظر ربطها بالهواتف الرسميّة. وفي سويسرا، تُطبّق قيود عامّة على المركبات المتّصلة بالإنترنت بالقرب من مواقع وزارة الدفاع.

أمّا على مستوى الاتّحاد الأوروبيّ، فلا يوجد تنظيم منفصل للسيّارات المتّصلة بالإنترنت. وتخضع هذه الشركات أساساً للّائحة العامّة لحماية البيانات. لكن، وفقاً لمصادر أمنيّة ألمانيّة، فإنّ نقل البيانات من الخوادم الأوروبيّة إلى دول أخرى لا يخضع لمراقبة فعّالة.

أوروبا تستلهم النّموذج الصّينيّ

تقترح أوزنانسكا الاستفادة من النموذج الصينيّ. فبكّين تفرض قواعد صارمة لمنع تسرّب المعلومات الحسّاسة إلى الخارج، وتلزم عموماً بتخزين بيانات المركبات محليّاً، مع متطلّبات أشدّ على الشركات الأجنبيّة.

طالت هذه القيود شركة “تسلا”، إذ فُرضت قيود غير رسميّة على قيادة سيّاراتها أو ركنها قرب المباني الحكوميّة وبعض المطارات وعلى طرق معيّنة.

رغم سهولة تطبيق هذه القواعد في الصين بسبب سيطرة الدولة على الإنترنت، ترى أوزنانسكا أنّ بعض التدابير الصينيّة يمكن أن تكون مرجعاً لأوروبا.

يكشف التقرير تزايد الوعي لخطورة المشكلة داخل المؤسّسات الأوروبيّة، في وقت تواصل ملايين المركبات جمع كمّيّات ضخمة من البيانات يوميّاً. وتعتزم المفوضيّة مراجعة قانون الأمن السيبرانيّ للاتّحاد الأوروبيّ.

في ألمانيا، قد تُمنح السلطات الأمنيّة صلاحيّات أوسع للوصول إلى بيانات المركبات وإلزام شركات تصنيع السيّارات وورش التصليح بتسليم بيانات القياس عن بُعد إلى أجهزة الاستخبارات الخارجيّة والداخليّة والمكتب الاتّحاديّ لحماية الدستور عند الطلب.

“جواسيس صينيّة على عجلات” يهدّدون أمن أوروبا

الكاتب: ايمان شمص | المصدر: اساس ميديا
6 أيلول 2026

قد تكون سيارتك ذكيّة… لكنّها أيضاً ثرثارة. تعرف أين تذهب، وأين تعمل، ومتى تعود إلى المنزل، وربّما من تتّصل به وما يحيط بك. لكنّ هذه المعلومات قد لا تبقى داخلها. إلى من تنقل سيّارتك بياناتك؟ من يركب معك  رقميّاً؟

بحسب تقرير لمجلّة “دير شبيغل” الألمانيّة، يُقلق هذا السؤال أجهزة الأمن في أوروبا. فقد تحوّلت السيّارات الحديثة، بما فيها من كاميرات وميكروفونات وأجهزة استشعار ورقائق إلكترونيّة وإنترنت، إلى ما يسمّيه خبراء الأمن “جواسيس على عجلات” لقدرتها على جمع ملايين البيانات عن السائق وموقعه ومحيطه.

من يتحكّم بالبيانات؟

يركّز تقرير “دير شبيغل” على الحافلات الكهربائيّة التي تصنعها شركة “يوتونغ” الصينيّة، والتي انتشرت في أوروبا وضاعفت مبيعاتها عام 2024، لتحتلّ المركز الأوّل في تسجيل الحافلات الكهربائيّة.

اكتشفت شركة النقل العامّ النرويجيّة “روتر” في العام الماضي ثغرة أمنيّة في إحدى حافلاتها، وحذّرت من إمكانيّة وصول المصنع الصينيّ إليها عن بُعد، بما يسمح بتحديث البرمجيّات، والتأثير في أنظمة البطّاريّة والطاقة، وربّما “إيقاف هذه الحافلة أو إخراجها من الخدمة”.

نفت “يوتونغ” قدرتها على التأثير في أنظمة القيادة، فيما اتّخذت الشركة النرويجيّة والسلطات في الدنمارك وبريطانيا إجراءات للحدّ من المخاطر. ويعتبر التقرير أنّ خطر التحكّم بالمركبات عن بُعد ليس افتراضيّاً بالكامل، إذ أثبت قراصنة إلكترونيّون عام 2015 قدرتهم على تشغيل مكابح سيّارة “جيب” عن بُعد والتلاعب بتوجيهها.

يركّز تقرير “دير شبيغل” على الحافلات الكهربائيّة التي تصنعها شركة “يوتونغ” الصينيّة، والتي انتشرت في أوروبا وضاعفت مبيعاتها عام 2024، لتحتلّ المركز الأوّل في تسجيل الحافلات الكهربائيّة.

سيّارات ترصد كلّ شيء…

تزداد المخاطر مع الجيل الجديد من هذه السيّارات الذي يمسح محيطه بصورة شبه دائمة، ويقيس المسافات، ويتعرّف إلى إشارات المرور، ويساعد في الركن وتغيير المسارات. ويحذّر الخبراء من استخدامها لرسم خرائط للمناطق العسكريّة والبنى التحتيّة الحيويّة، وجمع صور وبيانات مواقع وحركة المرور ومسارات الوصول. كما قد يؤدّي ربط الهاتف بالسيّارة إلى مشاركة الموقع والرسائل ومواعيد التقويم، وصولاً إلى بيانات بيومتريّة أو مصرفيّة.

يستشهد التقرير بحالتين:

1 ـ في عام 2023، أشارت تحقيقات خبير الأمن السيبرانيّ النرويجيّ تور إندستوي إلى أنّ قسماً كبيراً من المعلومات المستقاة من السيّارات الصينيّة يتدفّق إلى الصين. وبعد تحليله سيّارةES8  من NIO، وجد أنّ نحو 90% من البيانات انتهت على خوادم في الصين. لكنّ “نيو” نفت ذلك، مؤكّدة أنّ البيانات تُخزّن في خوادم سحابيّة أوروبيّة.

2 ـ أظهر تسريب بيانات من شركة CARIAD التابعة لـ”فولكس فاغن” حجم الخطر. فقد أصبحت عدّة تيرابايتات (وحدة قياس سعة تخزين البيانات الرقميّة) من البيانات المتعلّقة بنحو 800 ألف سيّارة كهربائيّة متّصلة بالإنترنت متاحة عبر سحابة أمازون بحماية محدودة، وكان بالإمكان تحديد مالكي السيّارات ومنازلهم وأعمالهم ووجهات عطلاتهم. وكان بين المتضرّرين سياسيّون وضبّاط استخبارات مشتبه بهم.

يحذّر ثوربيورن شولتز، من المكتب الاتّحاديّ الألمانيّ لأمن المعلومات، من أنّ “التجسّس يمثّل الخطر الرئيسيّ”، وأنّ المخاوف من استخدام الصين للسيّارات لهذا الغرض لها أساس. إذ يمكن للنظام إجبار الشركات الصينيّة على دعم أنشطته الاستخباراتيّة وتسليم بياناتها المخزّنة في الخارج.

يشير إلى أنّ الوضع في الولايات المتّحدة ليس أفضل حالاً، إذ يتيح قانون CLOUD للسلطات إجبار شركات مثل “تسلا” على كشف بيانات عملائها.

طائرات مسيّرة على عجلات

بحسب الباحثة باولينا أوزنانسكا من مركز الدراسات الشرقيّة في وارسو، تتعامل الصين مع السيّارات المتّصلة بالإنترنت باعتبارها “تقنيّة أمنيّة”، وتشبّهها بـ”طائرات مسيّرة على عجلات”، معتبرة أنّه ينبغي التعامل معها كالمسيّرات. وتشير إلى العلاقة الوثيقة بين بكّين وموسكو، وترى أنّ البيانات التي تُجمع على الطرق الأوروبيّة قد تصل إلى روسيا.

تشعر السلطات الأمنيّة الألمانيّة بالقلق أيضاً. فبحسب “دير شبيغل”، تحذّر هذه السلطات من استخدام هذه السيّارات في المناطق الحسّاسة أمنيّاً، بل وحتّى من ركنها أمام المنشآت الحسّاسة. ويشير التقرير إلى وثائق سرّيّة تؤكّد إمكانيّة وصول السلطات الصينيّة إلى بيانات المركبات.

تنقل المجلّة عن وزارة الداخليّة الألمانيّة أنّها ترى الآن وجود “مخاطر نظريّة لإساءة الاستخدام”، وأنّه لا يمكن تقنيّاً استبعاد مخاطر مثل نفوذ الدولة على الشركة المصنّعة. ولذلك تعمل الحكومة على تحليل وطنيّ للمخاطر.

بدأت دول أخرى باتّخاذ إجراءات مماثلة. ففي بولندا، مُنعت المركبات القادمة من الصين من دخول المناطق العسكريّة، كما حُظر ربطها بالهواتف الرسميّة. وفي سويسرا، تُطبّق قيود عامّة على المركبات المتّصلة بالإنترنت بالقرب من مواقع وزارة الدفاع.

أمّا على مستوى الاتّحاد الأوروبيّ، فلا يوجد تنظيم منفصل للسيّارات المتّصلة بالإنترنت. وتخضع هذه الشركات أساساً للّائحة العامّة لحماية البيانات. لكن، وفقاً لمصادر أمنيّة ألمانيّة، فإنّ نقل البيانات من الخوادم الأوروبيّة إلى دول أخرى لا يخضع لمراقبة فعّالة.

أوروبا تستلهم النّموذج الصّينيّ

تقترح أوزنانسكا الاستفادة من النموذج الصينيّ. فبكّين تفرض قواعد صارمة لمنع تسرّب المعلومات الحسّاسة إلى الخارج، وتلزم عموماً بتخزين بيانات المركبات محليّاً، مع متطلّبات أشدّ على الشركات الأجنبيّة.

طالت هذه القيود شركة “تسلا”، إذ فُرضت قيود غير رسميّة على قيادة سيّاراتها أو ركنها قرب المباني الحكوميّة وبعض المطارات وعلى طرق معيّنة.

رغم سهولة تطبيق هذه القواعد في الصين بسبب سيطرة الدولة على الإنترنت، ترى أوزنانسكا أنّ بعض التدابير الصينيّة يمكن أن تكون مرجعاً لأوروبا.

يكشف التقرير تزايد الوعي لخطورة المشكلة داخل المؤسّسات الأوروبيّة، في وقت تواصل ملايين المركبات جمع كمّيّات ضخمة من البيانات يوميّاً. وتعتزم المفوضيّة مراجعة قانون الأمن السيبرانيّ للاتّحاد الأوروبيّ.

في ألمانيا، قد تُمنح السلطات الأمنيّة صلاحيّات أوسع للوصول إلى بيانات المركبات وإلزام شركات تصنيع السيّارات وورش التصليح بتسليم بيانات القياس عن بُعد إلى أجهزة الاستخبارات الخارجيّة والداخليّة والمكتب الاتّحاديّ لحماية الدستور عند الطلب.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار