ست سنوات والحقيقة الضائعة

ست سنوات مرت على الرابع من آب، ولا يزال اللبنانيون يقفون في المكان نفسه. الوجع هو نفسه، والدموع هي نفسها، والأسئلة هي نفسها، أما الحقيقة فلا تزال رهينة الزواريب السياسية والقضائية، تتقدم خطوة وتتراجع خطوات كلما اقترب التحقيق من باب سياسي أو أمني أو إداري
لم يعد انفجار مرفأ بيروت مجرد قضية قضائية تبحث عن متهمين، بل تحول إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة اللبنانية على تحقيق العدالة، وإثبات أنها قادرة على محاسبة المقصرين، مهما كانت مواقعهم أو انتماءاتهم. لكن السنوات الست الماضية أظهرت أن الوصول إلى الحقيقة في لبنان لا يخضع فقط للقانون، بل يمر أيضاً عبر شبكة معقدة من الحسابات السياسية والطائفية والدستورية، التي غالباً ما تتقدم على حقوق الضحايا.
لقد دفع اللبنانيون ثمناً باهظاً لذلك الانفجار الذي دمّر نصف العاصمة، وأودى بحياة المئات، وشرّد الآلاف، وأصاب اقتصاداً كان يترنح أصلاً. لكن الثمن الأكبر ربما كان انهيار ثقة الناس بدولتهم، بعدما تحولت العدالة إلى مسار مليء بالعراقيل، من دعاوى الرد والمخاصمة، إلى الخلافات حول الصلاحيات، وصولاً إلى التجاذبات السياسية التي رافقت كل خطوة من خطوات التحقيق.
لا أحد يطلب إدانة أحد من دون أدلة، ولا محاكمات إعلامية أو سياسية. ما يطالب به اللبنانيون، وعائلات الضحايا تحديداً، هو أن يُترك القضاء يعمل بحرية واستقلالية، وأن تُرفع عنه كل الضغوط التي جعلت التحقيق يتعثر مراراً، حتى بدا وكأن الحقيقة نفسها أصبحت موضع تفاوض.
والمفارقة أن جميع القوى السياسية تعلن تأييدها لكشف الحقيقة، لكنها تختلف عند كل محطة إجرائية أو قضائية، فيتحول الإجماع على العدالة إلى خلاف على الوسائل، وتتبدل الأولويات بحسب موقع كل فريق في الملف. وهكذا، يصبح القضاء ساحة إضافية للصراع السياسي، بدلاً من أن يكون المرجع الذي يحتكم إليه الجميع.
إن استمرار هذا الواقع لا يضر بعائلات الضحايا وحدها، بل يصيب فكرة الدولة في الصميم. فالدولة التي تعجز عن كشف حقيقة أكبر كارثة غير نووية شهدها تاريخها الحديث، أو تتأخر سنوات في محاسبة المسؤولين عنها، تفتح الباب أمام مزيد من فقدان الثقة بالمؤسسات، وتكرس الانطباع بأن العدالة في لبنان تسير وفق موازين القوى، لا وفق موازين القانون.
بعد ست سنوات، لم تعد القضية قضية مرفأ فقط، بل قضية دولة. فإما أن يثبت لبنان أن مؤسساته قادرة على الوصول إلى الحقيقة مهما طال الزمن، وإما أن يتحول انفجار الرابع من آب إلى عنوان دائم لعجز الدولة عن محاسبة نفسها
إن إحياء الذكرى لا يجب أن يقتصر على وضع أكاليل الزهر وإطلاق المواقف والخطب. فالوفاء الحقيقي للضحايا يبدأ عندما تتحول العدالة من شعار إلى واقع، وعندما يشعر اللبنانيون أن دماء أبنائهم لم تضِع بين الملفات المؤجلة والاعتراضات الإجرائية والتجاذبات السياسية.
ست سنوات مضت… والحقيقة لا تزال تنتظر أن تخرج من الزواريب السياسية إلى قاعة العدالة. وعندما يحدث ذلك، لن ينتصر أهالي الضحايا وحدهم، بل ينتصر لبنان كله، لأن العدالة ليست حقاً لفئة، بل هي الأساس الذي تقوم عليه أي دولة تحترم نفسها ومواطنيها.
ست سنوات من الضياع والتخبّط كافية لإنهاء ملف بهذا الحجم من الغموض والالتباس. ست سنوات تختصر أزمة وطن يحاول المسؤولون اليوم إخراجه من عنق زجاجة الانهيار بكل مستوياته السياسية والأمنية والقضائية والاقتصادية والمالية والاجتماعية، بدءًا من تحرير الجنوب من الاحتلال، وحصر السلاح بيد القوى الشرعية، وصولًا إلى كشف الحقيقة المخفية عن انفجار العصر، ومحاسبة جميع المقصرين والمتورطين، وانتهاء بوضع حد لمعاناة المودعين، تمهيدًا لنهوض لبنان من كبواته المزمنة والمستعصية.
ست سنوات والحقيقة الضائعة

ست سنوات مرت على الرابع من آب، ولا يزال اللبنانيون يقفون في المكان نفسه. الوجع هو نفسه، والدموع هي نفسها، والأسئلة هي نفسها، أما الحقيقة فلا تزال رهينة الزواريب السياسية والقضائية، تتقدم خطوة وتتراجع خطوات كلما اقترب التحقيق من باب سياسي أو أمني أو إداري
لم يعد انفجار مرفأ بيروت مجرد قضية قضائية تبحث عن متهمين، بل تحول إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة اللبنانية على تحقيق العدالة، وإثبات أنها قادرة على محاسبة المقصرين، مهما كانت مواقعهم أو انتماءاتهم. لكن السنوات الست الماضية أظهرت أن الوصول إلى الحقيقة في لبنان لا يخضع فقط للقانون، بل يمر أيضاً عبر شبكة معقدة من الحسابات السياسية والطائفية والدستورية، التي غالباً ما تتقدم على حقوق الضحايا.
لقد دفع اللبنانيون ثمناً باهظاً لذلك الانفجار الذي دمّر نصف العاصمة، وأودى بحياة المئات، وشرّد الآلاف، وأصاب اقتصاداً كان يترنح أصلاً. لكن الثمن الأكبر ربما كان انهيار ثقة الناس بدولتهم، بعدما تحولت العدالة إلى مسار مليء بالعراقيل، من دعاوى الرد والمخاصمة، إلى الخلافات حول الصلاحيات، وصولاً إلى التجاذبات السياسية التي رافقت كل خطوة من خطوات التحقيق.
لا أحد يطلب إدانة أحد من دون أدلة، ولا محاكمات إعلامية أو سياسية. ما يطالب به اللبنانيون، وعائلات الضحايا تحديداً، هو أن يُترك القضاء يعمل بحرية واستقلالية، وأن تُرفع عنه كل الضغوط التي جعلت التحقيق يتعثر مراراً، حتى بدا وكأن الحقيقة نفسها أصبحت موضع تفاوض.
والمفارقة أن جميع القوى السياسية تعلن تأييدها لكشف الحقيقة، لكنها تختلف عند كل محطة إجرائية أو قضائية، فيتحول الإجماع على العدالة إلى خلاف على الوسائل، وتتبدل الأولويات بحسب موقع كل فريق في الملف. وهكذا، يصبح القضاء ساحة إضافية للصراع السياسي، بدلاً من أن يكون المرجع الذي يحتكم إليه الجميع.
إن استمرار هذا الواقع لا يضر بعائلات الضحايا وحدها، بل يصيب فكرة الدولة في الصميم. فالدولة التي تعجز عن كشف حقيقة أكبر كارثة غير نووية شهدها تاريخها الحديث، أو تتأخر سنوات في محاسبة المسؤولين عنها، تفتح الباب أمام مزيد من فقدان الثقة بالمؤسسات، وتكرس الانطباع بأن العدالة في لبنان تسير وفق موازين القوى، لا وفق موازين القانون.
بعد ست سنوات، لم تعد القضية قضية مرفأ فقط، بل قضية دولة. فإما أن يثبت لبنان أن مؤسساته قادرة على الوصول إلى الحقيقة مهما طال الزمن، وإما أن يتحول انفجار الرابع من آب إلى عنوان دائم لعجز الدولة عن محاسبة نفسها
إن إحياء الذكرى لا يجب أن يقتصر على وضع أكاليل الزهر وإطلاق المواقف والخطب. فالوفاء الحقيقي للضحايا يبدأ عندما تتحول العدالة من شعار إلى واقع، وعندما يشعر اللبنانيون أن دماء أبنائهم لم تضِع بين الملفات المؤجلة والاعتراضات الإجرائية والتجاذبات السياسية.
ست سنوات مضت… والحقيقة لا تزال تنتظر أن تخرج من الزواريب السياسية إلى قاعة العدالة. وعندما يحدث ذلك، لن ينتصر أهالي الضحايا وحدهم، بل ينتصر لبنان كله، لأن العدالة ليست حقاً لفئة، بل هي الأساس الذي تقوم عليه أي دولة تحترم نفسها ومواطنيها.
ست سنوات من الضياع والتخبّط كافية لإنهاء ملف بهذا الحجم من الغموض والالتباس. ست سنوات تختصر أزمة وطن يحاول المسؤولون اليوم إخراجه من عنق زجاجة الانهيار بكل مستوياته السياسية والأمنية والقضائية والاقتصادية والمالية والاجتماعية، بدءًا من تحرير الجنوب من الاحتلال، وحصر السلاح بيد القوى الشرعية، وصولًا إلى كشف الحقيقة المخفية عن انفجار العصر، ومحاسبة جميع المقصرين والمتورطين، وانتهاء بوضع حد لمعاناة المودعين، تمهيدًا لنهوض لبنان من كبواته المزمنة والمستعصية.










