حين تتحوّل “الممانعة” إلى ماكينة فبركة… روايات تتهاوى وواقع يفضحها!

حزب الممانعة، الذي يقدّم نفسه كحامل لـ”الوعي” و”مواجهة التضليل”، يجد نفسه مرارًا في موقع إنتاج هذا التضليل نفسه، عبر ماكينة إعلامية أو جيوشها الإلكترونية “الفاشلة” التي لا تتوقّف عن إعادة تدوير الأكاذيب على الرغم من انكشافها المتكرر.
لم يعد التضليل الإعلامي تفصيلًا عابرًا في خطاب ما يُعرف بـ”حزب الممانعة”، بل أصبح نهجًا قائمًا بحدّ ذاته. من الصور المفبركة، إلى الأخبار المقتطعة، إلى الجيوش الإلكترونية، يبدو أن الحقيقة لم تعد أولويةً، بل مجرّد مادة قابلة لإعادة الصياغة وفق الحاجة.
لنبدأ من الصورة التي أُريد لها أن تُشعل الرّأي العام: صورة للسفيرة اللبنانية في واشنطن ندى معوّض وهي تصافح نظيرها السفير الإسرائيلي يحيئيل ليتر. صورة انتشرت كالنّار في الهشيم، وجرى تقديمها كدليلٍ دامغٍ على “تطبيع مخفيّ”. لكن عند أول تدقيق بسيط، تبيّن الآتي: لا وكالة أنباء نقلت الخبر، لا بيان رسمي أشار إليه، ولا حتّى سياق واضح للصورة. النتيجة؟ صورة بلا أصل، ورواية بلا سند. ومع ذلك، استُخدمت لأقصى حدّ ممكن في حملات التحريض.
وقبل ذلك جاءت مسألة “علم تيار المستقبل” في اعتصامٍ أمام السراي الحكومي. صورة واحدة لعلمٍ رُفِع بين الحشود تحوّلت إلى “دليل” على مشاركة التيّار أو حتّى وقوفه خلف التحرّك. غير أنّ الحقيقة كانت أبسط بكثير: لا إعلان رسمي، ولا مشاركة مؤكّدة، بل حتّى التيار نفسه نفى أي علاقة له بما جرى. لكن، كالعادة، لم تمنع هذه الوقائع من استمرار الرواية المفبركة.
أمّا قصة “الشهيد الأرمني”، فهي نموذج صارخ على كيف يمكن توظيف الهويّة لخدمة السردية. بالتزامن مع إعلان مقتل عنصرٍ من الطائفة الأرمنية في صفوفه، انتشرت روايات عن “شهيد أرمني” آخر في سياقٍ مختلفٍ، ما خلق انطباعًا مضلّلًا ومُربكًا. لاحقًا، تبيّن أنّ القصة لا تستند إلى وقائع دقيقة كما رُوّج لها، بل جرى تضخيمها وتوظيفها لإثارة مشاعر معينة.
ولا تتوقّف ماكينة الفبركة هنا. فقد جرى أيضًا تداول تصريحات منسوبة إلى رئيس الحكومة نوّاف سلام، قيل فيها إنّه برّر ضربات معينة أو قال إنّ “لا ضربة من دون سبب”. تصريح انتشر بسرعة، واستُخدم في الحملات السياسية، قبل أن يتبيّن أنّه لا أساس له من الصحة، وأنّه لم يصدر عنه أصلًا. مرة جديدة: خبر مفبرك، ثم تداول واسع، ثم صمت عند انكشاف الحقيقة.
لكنّ الأخطر من كل ذلك، هو ما يجري خلف الشّاشات. فكلّ مَن يجرؤ على الاعتراض، يجد نفسه في مواجهة “جيش إلكتروني” منظّم: هجوم منسّق، شتائم، تخوين، وتعدٍّ على الكرامات الشخصية. لم يعد النقاش سياسيًا، بل تحوّل إلى ترهيب مباشر.
وفي حالةٍ موثّقةٍ تواصل موقع “هنا لبنان” مع إحدى السيدات التي تعرّضت لحملة إلكترونية واسعة ترافقت مع تداول معلوماتها الشخصية على مواقع التواصل بل وتهديدها بشكلٍ مباشرٍ عبر رقمها الشخصي. وبحسب هذه السيدة، فقد جرت لاحقًا محاولات للتواصل مع الجهات التي ساهمت في نشر المحتوى بهدف إزالة المواد المُسيئة ووقف انتشار البيانات الشخصية. وعلى الرغم من رفضٍ أوليٍّ لتلك الطلبات، أفادت بأنّ تدخلًا لاحقًا من مُحيط أحد الأطراف ساهم في إعادة فتح باب المعالجة، ما أدّى إلى الحدّ من انتشار المحتوى، بعد فترة من الضغط والتجاذب الكلامي الحادّ على المنصّات، من دون أن يبرّر ذلك طبيعة الحملة أو يخفّف من أثرها الرقمي والنفسي.
وجاءت الغارات الإسرائيلية في 8 نيسان على بيروت لتكشف جانبًا آخر من الخطاب. بدل التهدئة، تصاعدت حملات التجييش، وبدأت موجة سبّ واتهامات بحقّ أهل العاصمة، بحجّة أنّهم “لم يشعروا بما يجري في الجنوب طوال 15 شهرًا”. خطاب لا يكتفي بالتحريض، بل يفتح الباب أمام انقسامات خطيرة، وكأنّ هناك من لا يتردّد في اللعب على حافّة فتنةٍ داخليةٍ.
في النهاية، لم يعد هذا المسار مجرّد أخطاء متفرّقة أو سوء تقدير إعلامي، بل بات نهجًا ثابتًا يعتمد على تصنيع روايات سياسية جاهزة للتداول، يُعاد تدويرها بحسب الحاجة والمصلحة. ومع كل مرّة، تتكرّر الأدوات نفسها: خبر مفبرك، صورة منزوعة من سياقها، أو تصريح غير موجود أصلًا، ثم حملة تضخيم منظّمة، قبل أن ينهار كل ذلك أمام أول تدقيق جدي.
حزب الممانعة، الذي يقدّم نفسه كحامل لـ”الوعي” و”مواجهة التضليل”، يجد نفسه مرارًا في موقع إنتاج هذا التضليل نفسه، عبر ماكينة إعلامية أو جيوشها الإلكترونية “الفاشلة” التي لا تتوقّف عن إعادة تدوير الأكاذيب على الرغم من انكشافها المتكرر.
لكنّ الأخطر أنّ هذا النّهج لم يعد يمرّ بصمتٍ كما في السابق. فالمعلومات اليوم تُفكَّك بسرعة، والتلاعب يُكشف أسرع، والمسافة بين صناعة الرواية وسقوطها أصبحت قصيرةً جدًا. ومع ذلك، يستمر الإصرار على نفس الأسلوب وكأنّ شيئًا لم يتغيّر.
وفي المُحصلة، قد تنجح هذه الأكاذيب في إحداث ضجيجٍ مؤقتٍ، لكنّها لم تعد تقنع أحدًا. فكل محاولة جديدة لا تُعيد تثبيت السرديّة، بل تؤكّد أكثر أنّ هذه المنظومة لم تعد تملك سوى تكرار أدواتها القديمة… حتّى الاستنزاف الكامل للمصداقية.
حين تتحوّل “الممانعة” إلى ماكينة فبركة… روايات تتهاوى وواقع يفضحها!

حزب الممانعة، الذي يقدّم نفسه كحامل لـ”الوعي” و”مواجهة التضليل”، يجد نفسه مرارًا في موقع إنتاج هذا التضليل نفسه، عبر ماكينة إعلامية أو جيوشها الإلكترونية “الفاشلة” التي لا تتوقّف عن إعادة تدوير الأكاذيب على الرغم من انكشافها المتكرر.
لم يعد التضليل الإعلامي تفصيلًا عابرًا في خطاب ما يُعرف بـ”حزب الممانعة”، بل أصبح نهجًا قائمًا بحدّ ذاته. من الصور المفبركة، إلى الأخبار المقتطعة، إلى الجيوش الإلكترونية، يبدو أن الحقيقة لم تعد أولويةً، بل مجرّد مادة قابلة لإعادة الصياغة وفق الحاجة.
لنبدأ من الصورة التي أُريد لها أن تُشعل الرّأي العام: صورة للسفيرة اللبنانية في واشنطن ندى معوّض وهي تصافح نظيرها السفير الإسرائيلي يحيئيل ليتر. صورة انتشرت كالنّار في الهشيم، وجرى تقديمها كدليلٍ دامغٍ على “تطبيع مخفيّ”. لكن عند أول تدقيق بسيط، تبيّن الآتي: لا وكالة أنباء نقلت الخبر، لا بيان رسمي أشار إليه، ولا حتّى سياق واضح للصورة. النتيجة؟ صورة بلا أصل، ورواية بلا سند. ومع ذلك، استُخدمت لأقصى حدّ ممكن في حملات التحريض.
وقبل ذلك جاءت مسألة “علم تيار المستقبل” في اعتصامٍ أمام السراي الحكومي. صورة واحدة لعلمٍ رُفِع بين الحشود تحوّلت إلى “دليل” على مشاركة التيّار أو حتّى وقوفه خلف التحرّك. غير أنّ الحقيقة كانت أبسط بكثير: لا إعلان رسمي، ولا مشاركة مؤكّدة، بل حتّى التيار نفسه نفى أي علاقة له بما جرى. لكن، كالعادة، لم تمنع هذه الوقائع من استمرار الرواية المفبركة.
أمّا قصة “الشهيد الأرمني”، فهي نموذج صارخ على كيف يمكن توظيف الهويّة لخدمة السردية. بالتزامن مع إعلان مقتل عنصرٍ من الطائفة الأرمنية في صفوفه، انتشرت روايات عن “شهيد أرمني” آخر في سياقٍ مختلفٍ، ما خلق انطباعًا مضلّلًا ومُربكًا. لاحقًا، تبيّن أنّ القصة لا تستند إلى وقائع دقيقة كما رُوّج لها، بل جرى تضخيمها وتوظيفها لإثارة مشاعر معينة.
ولا تتوقّف ماكينة الفبركة هنا. فقد جرى أيضًا تداول تصريحات منسوبة إلى رئيس الحكومة نوّاف سلام، قيل فيها إنّه برّر ضربات معينة أو قال إنّ “لا ضربة من دون سبب”. تصريح انتشر بسرعة، واستُخدم في الحملات السياسية، قبل أن يتبيّن أنّه لا أساس له من الصحة، وأنّه لم يصدر عنه أصلًا. مرة جديدة: خبر مفبرك، ثم تداول واسع، ثم صمت عند انكشاف الحقيقة.
لكنّ الأخطر من كل ذلك، هو ما يجري خلف الشّاشات. فكلّ مَن يجرؤ على الاعتراض، يجد نفسه في مواجهة “جيش إلكتروني” منظّم: هجوم منسّق، شتائم، تخوين، وتعدٍّ على الكرامات الشخصية. لم يعد النقاش سياسيًا، بل تحوّل إلى ترهيب مباشر.
وفي حالةٍ موثّقةٍ تواصل موقع “هنا لبنان” مع إحدى السيدات التي تعرّضت لحملة إلكترونية واسعة ترافقت مع تداول معلوماتها الشخصية على مواقع التواصل بل وتهديدها بشكلٍ مباشرٍ عبر رقمها الشخصي. وبحسب هذه السيدة، فقد جرت لاحقًا محاولات للتواصل مع الجهات التي ساهمت في نشر المحتوى بهدف إزالة المواد المُسيئة ووقف انتشار البيانات الشخصية. وعلى الرغم من رفضٍ أوليٍّ لتلك الطلبات، أفادت بأنّ تدخلًا لاحقًا من مُحيط أحد الأطراف ساهم في إعادة فتح باب المعالجة، ما أدّى إلى الحدّ من انتشار المحتوى، بعد فترة من الضغط والتجاذب الكلامي الحادّ على المنصّات، من دون أن يبرّر ذلك طبيعة الحملة أو يخفّف من أثرها الرقمي والنفسي.
وجاءت الغارات الإسرائيلية في 8 نيسان على بيروت لتكشف جانبًا آخر من الخطاب. بدل التهدئة، تصاعدت حملات التجييش، وبدأت موجة سبّ واتهامات بحقّ أهل العاصمة، بحجّة أنّهم “لم يشعروا بما يجري في الجنوب طوال 15 شهرًا”. خطاب لا يكتفي بالتحريض، بل يفتح الباب أمام انقسامات خطيرة، وكأنّ هناك من لا يتردّد في اللعب على حافّة فتنةٍ داخليةٍ.
في النهاية، لم يعد هذا المسار مجرّد أخطاء متفرّقة أو سوء تقدير إعلامي، بل بات نهجًا ثابتًا يعتمد على تصنيع روايات سياسية جاهزة للتداول، يُعاد تدويرها بحسب الحاجة والمصلحة. ومع كل مرّة، تتكرّر الأدوات نفسها: خبر مفبرك، صورة منزوعة من سياقها، أو تصريح غير موجود أصلًا، ثم حملة تضخيم منظّمة، قبل أن ينهار كل ذلك أمام أول تدقيق جدي.
حزب الممانعة، الذي يقدّم نفسه كحامل لـ”الوعي” و”مواجهة التضليل”، يجد نفسه مرارًا في موقع إنتاج هذا التضليل نفسه، عبر ماكينة إعلامية أو جيوشها الإلكترونية “الفاشلة” التي لا تتوقّف عن إعادة تدوير الأكاذيب على الرغم من انكشافها المتكرر.
لكنّ الأخطر أنّ هذا النّهج لم يعد يمرّ بصمتٍ كما في السابق. فالمعلومات اليوم تُفكَّك بسرعة، والتلاعب يُكشف أسرع، والمسافة بين صناعة الرواية وسقوطها أصبحت قصيرةً جدًا. ومع ذلك، يستمر الإصرار على نفس الأسلوب وكأنّ شيئًا لم يتغيّر.
وفي المُحصلة، قد تنجح هذه الأكاذيب في إحداث ضجيجٍ مؤقتٍ، لكنّها لم تعد تقنع أحدًا. فكل محاولة جديدة لا تُعيد تثبيت السرديّة، بل تؤكّد أكثر أنّ هذه المنظومة لم تعد تملك سوى تكرار أدواتها القديمة… حتّى الاستنزاف الكامل للمصداقية.









