لماذا يلهث “حزب الله” وراء وقف النار؟

الكاتب: جان الفغالي | المصدر: نداء الوطن
17 نيسان 2026

لم يكن الإلحاح المتكرّر من “حزب اللّه” على وقف إطلاق النار مجرّد موقف سياسي أو مناورة، بل بات يعكس، حالة إنهاك حقيقي يعيشها على المستويين العسكري والاستراتيجي. فحين يتحوّل شعار “استمرار المقاومة” إلى استعجال لوقف القتال، فإن ذلك يكشف فجوة عميقة بين الخطاب والواقع.

منذ نشأته، بنى “الحزب” صورته على فكرة الصمود والقدرة على تحمّل المواجهات. لكن الوقائع أشارت إلى أن هذه الصورة تعرّضت لتصدّع حقيقيّ. فالمواجهات الأخيرة أظهرت أن “الحزب” لم يعد يمتلك هامش المناورة الذي كان يتباهى به، وأن كلفة الاستمرار في التصعيد باتت أعلى بكثير من قدرته على الاحتمال.

أوّل ما يلفت النظر هو التحوّل في نبرة الخطاب، إذ نرى تركيزًا واضحًا على “ضرورة وقف النار” هذه اللغة ليست لغة طرف واثق من قدرته على الحسم، بل لغة طرف يسعى إلى الحدّ من الخسائر. الإلحاح هنا ليس خيارًا، بل حاجة ملحّة لالتقاط الأنفاس.

عسكريًا، يبدو أن “الحزب” يواجه ضغطًا متزايدًا. فالاستنزاف المستمرّ، لا يمكن تعويضه بسهولة. وحتى لو حاول إخفاء حجم الخسائر، فإن وتيرة العمليات تكشف أن القدرة على الاستمرار في الزخم ذاته لم تعد متوافرة.

كما أن البيئة الإقليمية لم تعد كما كانت في السابق. “الرأس”، إيران، منشغل بحربه، والدعم الذي كان يُفترض أنه ثابت لم يعد مضمونًا، وهذا يعني أن “الحزب” يجد نفسه أكثر عزلة، ما يزيد حاجته إلى وقف النار كوسيلة لتجنّب الانزلاق إلى مواجهة لا يملك مقوّمات إدارتها.

كما لا يمكن تجاهل العامل الداخلي، فلبنان يعيش أزمة اقتصادية خانقة، وأي تصعيد إضافي يفاقم الانهيار. هذا الواقع يضع “الحزب” تحت ضغط شعبي متزايد، حتى داخل بيئته الحاضنة، فالجمهور الذي كان يقبل بتحمّل التضحيات في السابق، بات اليوم أقلّ استعدادًا لدفع ثمن مغامرات عسكرية مفتوحة.

الأهم من ذلك أن الإلحاح على وقف النار كشف خللًا في الحسابات، فالدخول في مواجهة دون تقدير دقيق لكلفتها ونتائجها عكس نوعًا من التسرّع أو سوء التقدير. وعندما يجد الطرف نفسه مضطرًا للبحث عن مخرج سريع، فإن ذلك يعني أن السيناريو الذي كان يتوقعه لم يتحقق، وأن الواقع فرض عليه معادلات لم يكن مستعدًّا لها.

قد يحاول “الحزب” تسويق موقفه على أنه “حرص على منع توسّع الحرب، لكن هذا التبرير لا يصمد أمام الوقائع. فالقوى التي تمتلك زمام المبادرة لا تسارع عادة إلى طلب التهدئة، بل تستخدمها كورقة تفاوضية عند تحقيق مكاسب. أمّا في هذه الحالة، فإن التهدئة تبدو أقرب إلى طوق نجاة منها إلى خيار استراتيجي مدروس.

لا يعني ذلك بالضرورة أن “الحزب” فقد كلّ قدراته، لكنه بالتأكيد لم يعد في الموقع الذي يسمح له بفرض شروطه. وهذا ما يفسّر اللهاث وراء وقف النار: محاولة لإعادة ترتيب الأوراق، وإعادة بناء القدرة.

في المحصّلة، الإلحاح على وقف النار ليس تفصيلًا ثانويًا، بل مؤشرًا واضحًا على حالة ضغط غير مسبوقة. إنه اعتراف غير مباشر بأن الاستمرار في المواجهة يحمل مخاطر أكبر من القدرة على تحمّلها. وبين الخطاب الذي يتحدث عن الانتصار والسلوك الذي يبحث عن التهدئة، تتكشف حقيقة أن “الحزب” يمرّ بمرحلة صعبة، وأنه بحاجة ماسة إلى استراحة يعيد فيها التقاط أنفاسه.

وهنا تحديدًا يكمن جوهر المسألة: حين يلهث طرف كان يقدّم نفسه كقوة لا تُقهر وراء وقف النار، فإن ذلك لا يمكن تفسيره إلّا باعتباره علامة على تراجع، أو على الأقل على إدراك متأخر بأن كلفة الاستمرار قد تكون كارثية.

لماذا يلهث “حزب الله” وراء وقف النار؟

الكاتب: جان الفغالي | المصدر: نداء الوطن
17 نيسان 2026

لم يكن الإلحاح المتكرّر من “حزب اللّه” على وقف إطلاق النار مجرّد موقف سياسي أو مناورة، بل بات يعكس، حالة إنهاك حقيقي يعيشها على المستويين العسكري والاستراتيجي. فحين يتحوّل شعار “استمرار المقاومة” إلى استعجال لوقف القتال، فإن ذلك يكشف فجوة عميقة بين الخطاب والواقع.

منذ نشأته، بنى “الحزب” صورته على فكرة الصمود والقدرة على تحمّل المواجهات. لكن الوقائع أشارت إلى أن هذه الصورة تعرّضت لتصدّع حقيقيّ. فالمواجهات الأخيرة أظهرت أن “الحزب” لم يعد يمتلك هامش المناورة الذي كان يتباهى به، وأن كلفة الاستمرار في التصعيد باتت أعلى بكثير من قدرته على الاحتمال.

أوّل ما يلفت النظر هو التحوّل في نبرة الخطاب، إذ نرى تركيزًا واضحًا على “ضرورة وقف النار” هذه اللغة ليست لغة طرف واثق من قدرته على الحسم، بل لغة طرف يسعى إلى الحدّ من الخسائر. الإلحاح هنا ليس خيارًا، بل حاجة ملحّة لالتقاط الأنفاس.

عسكريًا، يبدو أن “الحزب” يواجه ضغطًا متزايدًا. فالاستنزاف المستمرّ، لا يمكن تعويضه بسهولة. وحتى لو حاول إخفاء حجم الخسائر، فإن وتيرة العمليات تكشف أن القدرة على الاستمرار في الزخم ذاته لم تعد متوافرة.

كما أن البيئة الإقليمية لم تعد كما كانت في السابق. “الرأس”، إيران، منشغل بحربه، والدعم الذي كان يُفترض أنه ثابت لم يعد مضمونًا، وهذا يعني أن “الحزب” يجد نفسه أكثر عزلة، ما يزيد حاجته إلى وقف النار كوسيلة لتجنّب الانزلاق إلى مواجهة لا يملك مقوّمات إدارتها.

كما لا يمكن تجاهل العامل الداخلي، فلبنان يعيش أزمة اقتصادية خانقة، وأي تصعيد إضافي يفاقم الانهيار. هذا الواقع يضع “الحزب” تحت ضغط شعبي متزايد، حتى داخل بيئته الحاضنة، فالجمهور الذي كان يقبل بتحمّل التضحيات في السابق، بات اليوم أقلّ استعدادًا لدفع ثمن مغامرات عسكرية مفتوحة.

الأهم من ذلك أن الإلحاح على وقف النار كشف خللًا في الحسابات، فالدخول في مواجهة دون تقدير دقيق لكلفتها ونتائجها عكس نوعًا من التسرّع أو سوء التقدير. وعندما يجد الطرف نفسه مضطرًا للبحث عن مخرج سريع، فإن ذلك يعني أن السيناريو الذي كان يتوقعه لم يتحقق، وأن الواقع فرض عليه معادلات لم يكن مستعدًّا لها.

قد يحاول “الحزب” تسويق موقفه على أنه “حرص على منع توسّع الحرب، لكن هذا التبرير لا يصمد أمام الوقائع. فالقوى التي تمتلك زمام المبادرة لا تسارع عادة إلى طلب التهدئة، بل تستخدمها كورقة تفاوضية عند تحقيق مكاسب. أمّا في هذه الحالة، فإن التهدئة تبدو أقرب إلى طوق نجاة منها إلى خيار استراتيجي مدروس.

لا يعني ذلك بالضرورة أن “الحزب” فقد كلّ قدراته، لكنه بالتأكيد لم يعد في الموقع الذي يسمح له بفرض شروطه. وهذا ما يفسّر اللهاث وراء وقف النار: محاولة لإعادة ترتيب الأوراق، وإعادة بناء القدرة.

في المحصّلة، الإلحاح على وقف النار ليس تفصيلًا ثانويًا، بل مؤشرًا واضحًا على حالة ضغط غير مسبوقة. إنه اعتراف غير مباشر بأن الاستمرار في المواجهة يحمل مخاطر أكبر من القدرة على تحمّلها. وبين الخطاب الذي يتحدث عن الانتصار والسلوك الذي يبحث عن التهدئة، تتكشف حقيقة أن “الحزب” يمرّ بمرحلة صعبة، وأنه بحاجة ماسة إلى استراحة يعيد فيها التقاط أنفاسه.

وهنا تحديدًا يكمن جوهر المسألة: حين يلهث طرف كان يقدّم نفسه كقوة لا تُقهر وراء وقف النار، فإن ذلك لا يمكن تفسيره إلّا باعتباره علامة على تراجع، أو على الأقل على إدراك متأخر بأن كلفة الاستمرار قد تكون كارثية.

مزيد من الأخبار